شيخ حسين انصاريان (تعريب: كمال السيد)
62
رحلة في الآفاق والأعماق (شرح دعاء كميل)
وبهذا الاستعراض السريع لأهم ميزات هذه المرحلة نجد أن تلك المضغة قد أخذت بعداً آخر ، اكتسبت فيه قدرة على الحركة ، وابتدأ بها القلب بالنبضان بلا توقف ، ولهذا البعد أشار القرآن بعد عرضه لسلسلة أطوار تخلق الجنين ، حيث قال : « ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ » . ولعل أكثر الناس شعوراً بهذا البعد ليس الطبيب وإنما الأم الحامل التيى ما إن تشعر بحركات جنينها حتى تحس بشيء لم تعهده من قبل ، إنها تحس أن روحاً أخرى تدب في أعماقها ، فتظهر علامات الارتياح على ملامحها ، وتعلو البسمة محياها ، وإذا ما غابت عنها تلك الحركات مدة بسيطة ، قلقت وتأرقت . وأبعد من هذا فقد وجد العلماء أن الجنين يبدأ في آخر الحمل بالسماع ، وممّا يسترعي سمعه وهو في بطن أمه ، ذلك الصوت الحنون الخالد الذي لا يعرف إلّا الحب والحنان والعطاء . إنه صوت خفقان القلب الكبير . قلب أمه ، وهكذا تنشأ صلات الحب والمسؤولية بين الأم ووليدها ، في الوقت الذي تعاني فيه الأم من الوهن والعذاب ما لا يحتمله غيرها ، ولذلك قال تعالى في سورة لقمان : « وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلى وَهْنٍ وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ » « 1 » . وبعد أن وقفنا على أطوار خلقنا البديعة المدهشة ، هل لنا أن نقدر اللَّه حق قدره ؟ هل لنا أن نرجو للَّهوقارا ؟
--> ( 1 ) - سورة لقمان : 14 .